...
ليلة من العمر

ليلة من العمر

خلّص محمد الثانوي يوم الإثنين ٠٧ محرم لعام ١٤٤٨هـ، الموافق ٢٢ يونيو لعام ٢٠٢٦م؛ كانت ليلة من ليالي العمر؛ شعرتُ أنّي بلّغتُ رسالتي له، وأدّيتُ مهمتي نحوه. أنا أشيل همّ الأولاد جداً، دراستهم بالذات؛ يجب أن تكون المدارس مناسبة، المعلّمين، الزملاء، هذا يأخذ مني جهداً ذهنياً مكلفاً؛ ولكن الله يسّر. مدى مميزة جداً؛ باكورة الأولاد، والخير معقود في ناصيتها؛ درّستها في الابتدائي والمتوسط في مدارسَ مميزةٍ لتحفيظ القرآن الكريم، وفي يومٍ من الأيامِ كانت هي وعاصم معي في السيارة بالقرب من مدارس الرياض، قلت لهم بالحرف: ” بستقيل من النيابة، وبصير محامي، وبدرّسكم هنا بحول الله”؛ استقلتُ، وصرتُ محامياً، ودَرست مدى الثانوية في الرياض بحصولها على بعثةٍ من موهبة “مجاناً”، وعاصم يدرس فيها منذ الروضة وهو الآن في رابع ابتدائي، دراسة عاصم من حسابي الخاص “كما يقال”، وهي مكلفة نسبياً – لو قدّر أنكم ستقولون قديش الأمر مكلفاً- ولكن الله ييسّر الأمور دائماً.

حور درست الابتدائية في ذات مدرسة مدى الابتدائية، والمتوسطة نقلتها إلى مدارس النور العالمية؛ عن مدراس الرياض خمس دقائق بالسيارة فالسائق لا يجد صعوبة في إيصالها وعاصم، مدارس النور تدرس موادّها باللغة الإنجليزية، وشديدين جداً في التعليمِ، والمعلمون أجانب، وسعرها لا يقارن بالرياض ولا بغيرها، ولكن حور تناقشني حول أن تذهب إلى غيرها لكي تلتقط أنفاسها. حور متفوقة جداً، ولأن مدى هي المعيار فإن أمها تقول في كل مناسبةٍ ” ترى حور أشطر من مدى؛ شف دراجتها وهي ما تذاكر نفس مدى؟”، يعني مثل ميسي وكريستيانو من حيث الموهبة والصنعة.

نعود لمحمد؛ يدرس في مدارس النبلاء الأهلية منذ الروضة أو التمهيدي – “لا أعرف أيهما أسبق حتى الآن، والأمر لا يستحق أن أدخل قوقل الحين حتى أضع الصحيح في هذه التدوينة”-، وحتى تخرّج من الثانوي. ليلة التخرّج كانت شخصيته جميلة جداً، كان فارقاً عن زملائه في كيفية ارتداء بشت التخرّج، كان منتصبَ القامةِ، مبتسماً، واثقاً، وعندما ألقى الأبيات كان -أيضاً- فارقاً عن الجميع؛ لدي آمال عريضة على هذا الرجل الشجاع. المهم أني كنت أصوّره في مسيرة التخرج، وعندما أعطى مكاني ظهره توقّفت عن التصوير، ودخلتُ في نوبةٍ عاطفية جميلةٍ غريبةٍ؛ وعدتُ إلى يومه الأول في أولى ابتدائي؛ انتهى الأسبوع الذي كان كله لهو ولعب، لم يبكي ولم يشتكي ولم يظهر جزعاً، وفي الطابور الصباحي من الأسبوع التالي أنسحب، ثم ينطلق خلفي فيعترض الوكيلُ طريقَه ويؤشّر لي بيده ” أن اذهب في طريقك”، طاح على ظهره مستغرقاً في البكاء، وأنا غرقُت في أفكاري منصرفاً “هل هذا السلوك سليم؟ هل سيؤثر عليه سلباً؟ وهل؟ وهل”.

كانت أيام محمد الدراسية معي بين شدٍّ وجذب؛ لا أسمح بالغياب تحت أي ظرفٍ، وهو قادر على أن يقول ” يابوي هذا الأسبوع ميت، وهذا على وشك أن يموت”، كنت أعصّب عليه، ويقدّر تعصيبي، ولكني أدرك أني سأظل أحبه للأبد، ويدرك أني سوف أهدأ بعد خمس ساعاتٍ.

وليلة البارحة احتفلنا مع محمد وخاله فهد وبقية العائلة في مطعم في البجيري، اكتمل القمر في السماء وفي الأرض، وقبل أن تصل كيكة الاحتفال قال عاصم ” يا بابا بقولهم يصفقون لما يجيبونها”، نادى مقدمَ الطلبات وتحدّث معه بالإنجليزية وبلباقةٍ لافتة عن ذلك؛ وافق وعندما أتت صفق الجميع؛ كانت ليلة حقيقية.

أخوي فيصل. (تحسب عليه في كبار الأمور قبل صغارها).

Seraphinite AcceleratorOptimized by Seraphinite Accelerator
Turns on site high speed to be attractive for people and search engines.