...
التركيز منطقة ثبات.

التركيز منطقة ثبات.

قبل ثلاثة أيام خرجتُ من منزلي الساعة الثامنة وسبع دقائق مساءً، بدا أنّ إمام المسجد بدأ في صلاة العشاء، وبيننا خمس دقائق مشياً؛ أخرجتُ السّبحة الزرقاء، وانطلقتُ في حديثٍ داخليٍ بصوتٍ مسموعٍ. لا أعلم لماذا تداعت إلى ذهني ثلاثة مواقف مع ثلاثة عملاء، انتهت العلاقة بيننا، لم تكن النهاية عادية، كنّا في حديثٍ مشدودٍ، من السهل أن أبرهن على مسؤوليتهم الكاملة.

كنتُ أقولُ أنه لا ينبغي أن تنتهي الأمور بهكذا طريقةٍ، أنت تبني اسماً، والواحد يمكنه أن يساهم في تشكيلِ هذا البناء وإن بنسبةٍ صغيرةٍ أو كبيرةٍ، بحسب حجمِ علاقاتهِ، ومدى تفاعلهِ، وطريقة تفاعلهِ حتى؛ وأعني إمكانية أن يزيد في الحكايةِ ما ليس فيها.

هذه النّهايات لها أكثر من سببٍ، وسأدفعُ بالضوء كلّه على سببٍ واحدٍ، وليس من السهلِ إبرازُ دليلٍ مادّي بين هذا السبب وما حدث؛ يمكن – إذاً – اعتبارُها لحظةَ تجلّي، صدقٍ ما، أو معرفةً عميقةً بدواخلِ الذاتِ، إنّ السّبب الذي على المرء معالجته هو حالة التشتت، فتح الملفات الكثيرة في آن واحد.

هذه الحالة لا تجعلك مدركاً لحقيقةِ حقيقةِ فعلك، أو حقيقةِ حقيقةِ ردّة فعلك؛ أنت تعمل وفق قواعد القيادةِ الذاتيةِ، الآليّة، أنت تفعل فوراً، تجيب فوراً، تردّ فوراً؛ حالة التشتت تغذّي هذه السلوكيات، يمكن تقديم الدليل على ذلك: وهو حالة الندم الفورية زمنياً، نحن نراجع أنفسنا بعد هذه المواقف، ونتأكد أنه كان علينا أن نسلك الطريق الآخر، أياً كان هذا الطريق، مجاملة الطرف الآخر، التسليك له كما يقال، أو حتى مضمون ما قلناه، لكن بصوتٍ هاديء، بمقدماتٍ، بأشياء من هذا القبيل، هذا الندم الفوري يوصِل إلى أننا لم نكن أنفسنا وقت الموقف، نعرف بالضبط ماذا كان علينا فعله ولكن لم نفعله؛ التشتت يقدّم لك الرد السهل، الحل السريع، اللحظة الآنية، وطول عمر هذه اللحظة الآنية نيّة، غير ناضجة.

أتذكر الفترة الزمنية التي صاحبت المواقف؛ كانت الملفات المفتوحة كثيرة، أتعامل معها في الوقتِ نفسه، منها المهم جداً، وفيها السخيف جداً، وبكل حالٍ: فإنّ التركيز منطقةُ ثباتٍ، بينما التشتت منطقة حركةٍ، والثبات أكثر أمناً، الحركة ليست بهذا القدرِ؛ ألا ترى أن ضربة الجزاء في كرة القدم تنفّذ من ثباتٍ، والضربات الحرّة تنفّذ من ثباتٍ، والارتقاء إثر ضربةٍ ركنية يأتي من ثباتٍ؛ كلّها مظنة أهدافٍ أكثر من غيرها.

التشتت يقابله التركيز، التركيز أن تعمل في الزمن الواحد على شيء واحد، التّخصص تركيز، وعندما يقولون أنّك ستكون جيداً عندما تعرف شيئاً عن كل شيء، وأن تعرف كل شيء عن شيء فإنهم يشيرون إلى وجهٍ من أوجه التركيز.

https://alatifi.com/wp-content/uploads/2026/02/لا-تحتاج-وقتا،-تحتاج-تركيزا-.mp4 ؛ نحن نملك الوقت، لدينا فائض من الوقتِ، ما يحدث أنّ الوقت يتضائل بفعلِ مادة التشتت، يتضائل كمّاً، وجودة، ووسائل التواصل تفعل المزيد لنكون هناك.

حذفتُ كل وسائل التواصل “تويتر، وانستقرام، والسناب شات” على فتراتٍ من عام ٢٠٢٤م؛ حذفت حسابي في السناب وأنا في عزّ مستواي السنابي كما يقال، كنت حينها في ملقا في إسبانيا، الناس تسافر لتصوّر، أنا سافرتُ وحذفته هناك، وحذفتُ حسابي في تويتر وانستغرام وأنا في منزلي في الرياض؛  لقد حظيتُ بعد هذا القرار، وذاك السلوك بأيام عظيمة، وهذه الأيام ليست الأمور بنفس الجودة؛ لقد عدت أتصفح من خلال حساب الشركة في X، بداية الأمر لأساهم في محتواه، ورويداً رويداً تغوص قدميّ في هذا الوحل.

ماذا عليك أن تفعل؟ التعودّ، وقد بدا لي أنّ التركيز عادة، التشتت أخطر من كونه عادة، لقد سمعتُ د. محمد الحاجي يقول أنّ التشتت قد يصبح خاصيّة من خصائص أدمغتنا، بمعنى لا نستطيع – في حالةٍ متقدّمة من الإدمان الإليكتروني- إلا أن نكون مشتتين، كانت هذه اللحظة مخيفة وقتَ تأمّلها.

ثم الصّملة على القرار المتخذ نحو التركيز، ومقاومة حالة التشتت، أن تعرف أين أنت، أن تتخذ القرار، والتحدي كله في أن تستمر، وكلما أخلفتَ استمراراً قطعتَه على نفسك كلما أطعمتَ ضعف الهمة طُعماً.

في 17-04-2024م في مدينة كارتاما في ملقا، في هذا البيت كان حسابي في سناب شات في مهب الريح.
وضعتُ تذكيراً في التقويم الهجري بعد انتهاء مهلة الشهر بيوم؛ بحيث لا أعود. كان الشعور ذاك اليوم غريباً، كأنك وحدك.