16 – 09 – 2026م
في الطريق إلى أمستردام. الساعة الثالثة وتسع وخمسين دقيقة صباحاً بالتوقيت المحلّي السعودي، أمام البوابة 507B، القطرية يفترض أن تقلع الخامسة صباحاً، على أن أستقل أخرى الثامنة صباحاً. مطارٌ لا صخب فيه ولا نصب؛ وإعلانٌ يتيمٌ لرحلةٍ إلى بورسودان على تاركو للطيران، الكراسي أمام البوابة ممتلئة، ولا تكاد تتجاوز الخمس وعشرين كرسياً، نمتُ الساعة الحادية عشر مساء، وتحركتُ من المنزل الثانية وسبع وعشرين دقيقة؛ يوصلني وايش إلى المطار، وأغفو عدة مرات، الخطوات الأولى في الصالة الخامسة، وقد أصبحت دوليةً، صيدلية النهدي للحصول على حبة منوّم لم أستخدمها من قبل، وشعورٌ بخوف من بعيد، وأتعاطى في حديثٍ داخلي حول المرحلة العمرية خاصّتي، وهي تتطلب المزيد من التخلي عن الحذر، فلو قدّر أني سأعيش ثمانين عاماً، فقد تجاوزت نصفها بقليلٍ، وآخذ فرشاة أسنانٍ كهربائية بعد أن أصبحت الجديدة غير صالحةٍ وغير قابلة للشحن، مع كونها جديدة؛ وكلّ ما في القصة أني وضعتها في حقيبتي إثر عودتي من القاهرة إلى الرياض؛ حيث لم أعد أسمع منها إلا همساً دون أن أعرف الأسباب خلف ذلك. الساعة الرابعة وثلاثة عشر دقيقة صباحاً؛ الإعلان أن على ركاب الرحلة التوجه إلى البوابة، المجموعة الأولى أولاً. وفي أقل من أربع دقائق أستقر على الكرسي 32A، طائرة القطرية Boeing 787 ، الفسيحة، بدا أنها مزدحمة، القطرية العملاقة تصل إلى وجهاتٍ لا يخيّل أن الوصول إليها ذا جدوى اقتصادية. أصادف يمنياً جالساً في مقعدي، بكل لباقة أشير إليه أن تحرّك، يقول أريد النافذة، أطلب منه كرتَ صعودهِ ومقعده 34A، أخبره أن كرسيه على جهةِ نافذةٍ أيضاً، يقوم الرجل وأراه خلفي متردداً، مالذي يحدث يا يمني؟ فيشير متسائلاً أن ” هل يمكنني الجلوس خلفك؟ فلما التفتّ وجدت مقعده جهة النوافذ بلا نافذة؛ لم يكن محظوظاً -كفاية- حتى والقصة حول مقعد طائرة.
الطائرة تقلع – بالضبط- الخامسة وأربع دقائق صباحاً؛ بجانبي كرسي تحتلّه فتاة نحيفة، ذات ملامح هندية، أنفها طويل معقوف، سماعتها في أذنيها، كانت على جوالها ثم دخلت في نومٍ عميقٍ؛ يتدلى رأسها يساراً دون أن يصل إلى كتفي، وبعد أن هبطت الطائرة قامت من مقعدها، كانت أقرب للطول منها للقصر؛ بطول مائة وسبعة وستون سنتمراً، ترتدي جاكيتا أسوداً ، وبنطالاً بذات اللون، كانت نحيفة جداً، ثم توارت في زحام المطار، المطار الضخم؛ حيث انتقلتُ عبر المترو الداخلي إلى بوابة C26، تناولت قهوة لا شيء معها سوى ماء.
يُفترض أن أصل أمستردام 13:55 بتوقيتها المحلي، على أن يصل أحدهم من أدنبرة قبل وصولي بعشرين دقيقة، وأن يصل الأخير من برمنجهام 17:50. هذه رحلة غارقة في العشوائية من جهتي؛ فالحجز كان متأخراً، ورفيقي الرحلة حجزا سكناً لا يسع ثالثاً، وحتى الساعة لا أعرف أين أسكن، ولكني -بكل حال- متعود على هكذا حالة؛ ففي سبتمبر من عام ٢٠٢٥م وبعد أن تجاوز نوفاك جوكوفيتش ربع نهائي US open حجزت على رحلة الخطوط السعودية المتجهة لنيويورك في رحلةٍ موعدها الثانية صباحاً بينما كان الحجز الثانية عشر وثلاثين دقيقة من ذات اليومِ؛ بدون أي خطط ولا حجوزات؛ لا سيارة ولا سكن، ولا حتى تذاكر النهائي ونصفه، وكانت رحلة أحلامٍ كما يقال؛ وقد حدث حدثٌ مثل ذلك حين تجاوز نوفاك أيضاً ثمن النهائي من ذات السنة في بطولة أستراليا المفتوحة؛ حجزت قبل الرحلة بأقل من أربع وعشرين ساعة؛ ووقعتُ في حب ميلبورن أيضاً.
السابعة وتسع وعشرون دقيقة صباحاً والطوابير على البوابة خاصّتنا، الأعداد ليست قليلة، الطائرة من نوع Boeing 777-300er متجهة -بإذن الله- إلى مطار سخيبول أمستردام مستغرقةً 6h 45 m؛ وقد زرت أمستردام من قبل من غير مطارها قادماً من باريس دون أن أسكن فيها؛ إنما في ضواحيها، ولا أعرف ماذا سنعمل هناك؛ سنبقى – وفق الخطة الأولية- ثلاثة أيام على أن ننحدر نحو باريس، ولم أحجز رحلة العودة بعد، أي فوضى أكثر من ذلك.
الطائرة مكتظة بخلق الله؛ ممتلئة مع تقسيماتها الكبيرة ثلاثة كراسي في جهتيها اليمنى واليسرى، وأربع كراسي في المنتصف، بجانبي رجل أسود البشرة، كأنه كيني الجنسية؛ وأنا -هنا- أسير في تأكيد النظرية التي تقول أننا الشعب الوحيد في العالم القادر على تخمين الجنسية من الوجه فقط، هذا الرجل معه سيدة أظنها زوجته، سمين، وهي كذلك، لا يتحدث الإنجليزية؛ وأخذ في لتٍّ وعجنٍ قصيرين مع المضيف ثم اخترتُ وجبة الإفطار أومليت جبن؛ واختار بعدي مثلها. لا أفعل شيئا الآن سوى الكتابة؛ حاولت مشاهدة محتوى في شاشة الطائرة ثم مللت في كل مرة، وبما لا يتجاوز عشرين ثانية سوى جلسةٍ صوتيةٍ للاسترخاء إذ أمضي فيها “الآن” ما يفوق عشر دقائق.
وفي هذه الأثناء حجزت سكناً عبر airbnb؛ وأكدتُ أني قرأت التعليمات، ويعيدا المضيف التأكيد أن علي أن أمنحه تأكيداً صريحاً وإلا فلن يقبل الحجز؛ ومثل هذا الرجل ذاق الأمرين أو قريباً منهما من بعض المستأجرين؛ وغايةُ طلبهِ الهدوء، عدم تدخين الحشيش، وألا يأتي غير المستأجرين على وجه الحقيقة، وأشير -والحديث على هذا المنحى- إلى خدمة الإنترنت “ستار لنك” في الطائرة؛ كانت رائعة متصلة، بدون انقطاعاتٍ تذكر.
نصل المطار الصغير نسبياً، وندخل في دوّامةٍ هائلة عاصفة من الانتظار أمام الجوازات؛ أربعة أفراد، وأمامي ما لا يقل عن مائة وخمسين شخصاً؛ نزحف ببطءٍ، أصلُ إلى شابٍ في مقتبل عمرهِ، يقلّب الجواز، ويتفوّه بذات السؤال: لماذا أنت هنا؟ وذات الجواب ينسابُ من فمي: للزيارة، كم ستجلس؟ ثلاثة أيام ثم ربما إلى باريس، لديك حجز العودة من باريس؟ ليس لدي، المرة الأولى في باريس؟ بالتأكيد لا؛ الكثير من المرات، وهنا “قالها مع ابتسامة”؟ المرة الثانية، تسافر وحدك؟ نعم، وقتاً طيباً “قالها مع غمزة”. أخرجُ من هذا المعترك لستُ أدري على ماذا أضعتُ عمري، وأقابل صاحبي الأول، ثم أخبره أني جائع وعطشان لقهوةٍ، ننحرف قليلاً عن صالةٍ تعجّ بالمسافرين وبرجال الأمن، وبمنحدراتٍ للأسفل نحو المترو، أتناول قهوة مع شطيرةٍ أخترتها لا أعرف كلّ ما فيها سوى أطرافِ الجبن، ثم أكتشف أن فيها زبيباً أحمراً، وكنتُ سآكل ما وصل بغض النظر عن ماهيته. نتجاذب الأحاديث عن سفرته إلى أدنبرة، ونتفق أن يمضي كلّ منّا نحو سكنهِ حتى وصولِ الأخير من برمنجهام.
أخذتُ بتوصية المضيف لأوفّر ستين يورو بعدم استخدامي أوبر مباشرةً من المطار؛ وأستقلُّ المترو ب 6 يورو منطلقاً نحو المحطة الأخيرة، ثم أوبر ب 11 يورو، تصل تسلا، سوداء اللون، لم ينزل سائقها ليحمل الحقيبة، استقرّ بي الجلوس في المقعد الخلفي، وبعد مضيّ خمسة عشر ثانيةً استبان الصوت من الراديو صوتَ المنشاوي، ودار حديثٌ حول مصريّتهِ فأخبرني أنه كذلك، وقدم إلى أمستردام 1997م حيث كان مدرساً في مصر، ثم ليبيا، ليعود إلى بلادهِ ويكمل من هناك دراسة القانون وينهيها عام 2011م، من أنصارِِ ذاك العام، وساخطٌ على ما بعدهِ، يعتبر ما دار في 2013م انقلابًا. ثم انطلق في حديثٍ طويلٍ مختصرهُ أننا أمة واحدة، و لا فرق بيننا، والحكام يستخدمون التفرقة ليبقى لهم كل شيء، مضيفاً أنهم وكلاء المستعمر، والحقيقة أني لم أتعاط معه؛ للتو أضع خطاي من سفرٍ، ثم هكذا موضوع؟ يا أخي ماذا تفعل.
أصل الغرفة بتعليماتٍ واضحةٍ من المضيف؛ ستعرفها من مجسم كلبٍ عند بابها، عليك أن تضع ستة أرقام في الجهاز أمامك 298677 سيفتح ببطء، لا تدفعه فيعلّق عليك، باب غرفتك على يمينك، وعلى يسارها باب دورة المياه، وأمامك درجٌ إلى الأعلى حيث أسكن وآخرين، وأخبرني لو أردتَ شيئاً؛ وكنتُ أريد النوم والسلامة. كان الصداع يعزف معزوفته في رأسي وليس عليه، ونمتُ لأصحو قبل المغرب بخمسين دقيقة مصلياً الظهر والعصر جمعاً وقصراً، أتواصل مع صاحبي ليؤكد وصول الآخر؛ وقد أنشأ الأول قروباً في الواتس آب لتبادل الصورِ، وتنسيق مواعيد اللقاءات، ومواقع المطاعم والكوفيهات وما يُقترح من أماكن.
تناولنا بطاطساً يقولون باكتساحهِ التيك توك؛ لم يكن لذيذاً بما يوازي الاكتساح وفق تعبيرهم، ثم ذرعنا الأماكن حوله ذرعاً حتى ضاق الوقتُ بنا ذرعاً، وافترقنا كلٌّ إلى سكنهِ، وصلتُه حاملاً شيئاً من صداعي، ونمت خلال خمس وعشرين دقيقة من وصولي؛ استعداداً لعملٍ من أعمالي عن بعد؛ وبهذا انتهى يومي.





